محمد بن جرير الطبري

118

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

والصواب من القول في ذلك عندي : أنهما قراءتان مستفيضتان في قراء الأمصار وعوام المسلمين صحيح معنياهما ، فبأي القراءتين قرأ القارئ فهو مصيب الحق في قراءته . وذلك أن الله تعالى ذكره قد أمر باتباع سبيله ، كما أمر عباده بالأشياء . وإن أدخل ذلك مدخل فيما أمر الله نبيه ( ص ) أن يقول للمشركين : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم وما أمركم به ، ففتح على ذلك أن فمصيب . وإن كسرها إذ كانت التلاوة قولا وإن كان بغير لفظ القول لبعدها من قوله : أتل ، وهو يريد إعمال ذلك فيه فمصيب . وإن كسرها بمعنى ابتداء وانقطاع عن الأول والتلاوة ، وأن ما أمر النبي ( ص ) بتلاوته على من أمر بتلاوة ذلك عليهم قد انتهى دون ذلك ، فمصيب . وقد قرأ ذلك عبد الله بن أبي إسحاق البصري : وأن بفتح الألف من أن ، وتخفيف النون منها ، بمعنى : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا ، وأن هذا صراطي فخففها إذ كانت أن في قوله : أن لا تشركوا به شيئا مخففة ، وكانت أن في قوله : وأن هذا صراطي معطوفة عليها ، فجعلها نظيرة ما عطفت عليه . وذلك وإن كان مذهبا ، فلا أحب القراءة به لشذوذها عن قراءة قراء الأمصار وخلاف ما هم عليه في أمصارهم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شئ وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون ) * . يعني جل ثناؤه بقوله : ثم آتينا موسى الكتاب ثم قل بعد ذلك يا محمد : آتي ربك موسى الكتاب . فترك ذكر قل ، إذ كان قد تقدم في أول القصة ما يدل على أنه مراد فيها ، وذلك قوله : قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم فقص ما حرم عليهم وأحل ، ثم قال : ثم قل : آتينا موسى ، فحذف قل لدلالة قوله : قل عليه ، وأنه مراد في الكلام . وإنما قلنا ذلك مراد في الكلام ، لان محمدا ( ص ) لا شك أنه بعث بعد موسى بدهر طويل وأنه إنما أمر بتلاوة هذه الآيات على من أمر بتلاوتها عليه بعد مبعثه ، ومعلوم أن موسى أوتي الكتاب من قبل أمر الله محمدا بتلاوة هذه الآيات على من أمر بتلاوتها عليه ، وثم في كلام العرب حرف يدل على أنه ما بعده من الكلام والخبر بعد الذي قبلها .